السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

39

فقه الحدود والتعزيرات

علماً بأنّ دليل مشروعيّة هذه التعزيرات ، هي نفس دليل مشروعيّة أحكام مقتضيّات المصلحة العامّة الحكوميّة . ونحن لسنا بحاجة إلى دليل آخر نقدّمه إلى من له أدنى تأمّل في المسألة ، لوضوح أنّه لا معنى لمشروعيّة الحكومة إلّا ثبوت الولاية لها ، ومنها : فرض حفظ النظام العادل ، والمحافظة على المصالح العامّة ، سياسيّة كانت أو اقتصاديّة أو إداريّة ، وذلك لا يمكن أن يتمّ إلّا باستقرار الأنظمة والقوانين والمراسم ، وتوبيخ المتخلّفين والمتجاوزين للقوانين العادلة والمتنكّرين لمسئوليّاتهم إزاءها ، اجتماعيّة كانت أو إداريّة ، ولولا ذلك لما كان لمشروعيّة الحكومة معنىً معقول . كذلك لا يستفاد منه حصر العقوبات الحكوميّة بالضرب فقط وكونه دون الحدّ ، حتّى ولو سلّم ظهور لفظ التعزير في الضرب ودون الحدّ ، ولا يستفاد منه ردع الشارع عن لجوء الحكومة إلى سائر العقوبات بغية تحقيق أغراضها الاجتماعيّة فيما لو توقّف ردع المجرم عن جريمته عليها . فعلى الحكومة الصالحة أن تتصرّف طبقاً للعدل في كلّ مورد على حسب ما تراه هو الأصلح في حفظ نظام البلاد ومصالح العباد . وممّا يدلّ على ما ذهبنا إليه ، ما رواه أحمد بن أبي عبد اللَّه البرقي في المحاسن عن جعفر بن محمّد ، عن عبد اللَّه بن ميمون ، عن أبي عبد للَّه عليه السلام ، قال : « كتب خالد إلى أبي بكر : سلام عليك . أمّا بعد فإنّي أتيت برجل قامت عليه البيّنة أنّه يؤتى في دبره كما تؤتى المرأة . فاستشار فيه أبو بكر ، فقالوا : اقتلوه . فاستشار فيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فقال : احرقه بالنار ، فإنّ العرب لا ترى القتل شيئاً . قال لعثمان : ما تقول ؟ قال : أقول ما قال عليّ ، تحرقه بالنار . قال أبو بكر : وأنا مع قولكما . وكتب إلى خالد بن الوليد أن أحرقه بالنار ، فأحرقه . » « 1 »

--> ( 1 ) - المحاسن ، باب عقاب من أمكن نفسه يؤتى ، ج 1 ، ص 201 ، الرقم 345 - وراجع : وسائل الشيعة ، الباب 3 من أبواب حدّ اللواط ، ح 9 ، ج 28 ، ص 160 .